استغلال البوركيني لتشويه صورة الاسلام

PartagerTweet about this on TwitterShare on Google+Share on FacebookEmail this to someone

إنّ ما يبرز مشكلة البوركيني في حاضر مجتمعنا هو محاولة التسوية اللئيمة التي تقوم به الطبقة السياسة.

في منطقة النورماندي شمال فرنسا، نحتفل كل يوم منذ نهاية شهر تموز “جولييه” بتحرير ارضنا ونخلد ذكرى تحرير حقَّقَه بشكل خاص جنود كتيبة لوكلير، كتيبة سلاح المدرعات الثانية، جيش مجيد نتغنى بإنشاد مآثره بوقار أمام كلِّ نُصب تحيط به غالباً بيارق كثيرة وبعض قدامى المحاربين الأشاوس والحريصون أن يشهدوا دوماً على تفانيهم في سبيل تحقيق الإخاء والنصر في فرنسا.

مسألة البوركيني

هذه السنة قامت تظاهرات ذات لون خاص واستفحل الجدل والنزاع حول مسألة البوركيني

بينما قسم مهم من مجتمعنا يعاني من مشكلة هويته ويتطلع الى الخارج، الخارج المسلم، والحق يقال، باحثاً عن اسباب ضياعه وعلله.

إنّ مؤَهَلين لتسلّم أعلى المناصب كرئاسة الجمهورية ومؤيّديهم ينزعون الى اعتماد خطب مفعمة بروح المنافاة وسوء الظن، وذلك دون ميل نحو الارتفاع في مستوى النقاش، مكتفين بـ “تحليل” للأحداث دون الوصول الى أسبابها. أصبح الاسلام مجرد سلعة يستغلها القيمون على التجمعات الصاخبة ومواقع الانترنت في فيسبوك.

ويقتصر التفكير على أبسط عبارته المؤلفة من مئة واربعين علامة. أصبح تويتر حلبة الصراع مع قواعدها ورقبائها الذين يسجلون الحسن والقبيح ومع المجموعات الصغيرة التي تؤيّد أو تستنكر.

قصر النظر والخلط والالتباس تغذي البغضاء

طالما كرّرت أنّه من المستحيل في وقتنا الحاضر اعتماد حديث منطقي عن الاسلام . صوت الشعب – صوت الله غريب عن ذلك.

مسألة البوركيني بصفتها مصدر شقاق، برهان جديد واضح على هذه الكارثة الفظيعة وعلى انحسار الحوار الشعبي وعلى قصر النظر.

سنحت لي الفرصة أن أذكر بأن ما هو علماني في فرنسا هو الدولة لا المواطنون ولا ألبسة السباحة. إن البوركيني لا يمنعه القانون الذي إذا منعه فسيكون لأسباب صحية : في المسابح على سبيل المثال، أو بقرار من مجلس البلدية في حال اعتبره رئيس البلدية غير ملائم او مهدّداً للأمن لدى المواطن على شواطئ المدينة.

يجدر التذكير هاهنا تجاه الذين واللواتي يعتبرون ان البوركيني أنشأته وهابية المملكة العربية السعودية والسلفيون، بأن البوركيني قامت باختراعه عام 2004 استرالية من أصل لبناني اسمها عاهدة زناتي. كفى استيهاماً.

فلنعد الى حديث البغضاء وجملة التجاوزات والشقاق التي أثارها البوركيني. حالما يُذكّر بالقانون يمكن – كما ذكرت سابقاً البدء في معالجة المسألة الأخرى المتمثلة بالتلاؤم والانسجام مع العلمانية، وكذلك فتح موضوع الحجاب. كل النقاشات شرعية في الديمقراطية انما لا يعني ذلك انها كلها صائبة. هاهنا نقطة الضعف. إنّ نقاشاً مفتوحاً يشوبه قصر النظر والتسرع والالتباس، تقوم به نخبة من رجال السياسة، يجرُّ كُلاّ من هؤلاء على الاعتقاد بأن الرأي الصائب الوحيد هو ما يأتي به بالذات مستبعداً في نفس الوقت ايّ نقاش، أو يخلط بين المواضيع الجوهرية وما هو ملائم لهواه، أو يجمع بين كلا الأمرين.

وكما قال جان غابان في فيلم -قرد في الشتاء- : «الأشياء تأتي بالأشياء والأمور تجرّ الأمور. لا صدفة موجودة.»

قضية المرأة ولبس البوركيني

لبس البوركيني والعلمانية

لبس البوركيني والإرهاب الاسلامي

الإرهاب الإسلامي والمملكة العربية السعودية

المملكة العربية السعودية وحقوق الانسان

حقوق الانسان وسياستنا الخارجية وبيع الأسلحة

البوركيني يقع في آخر اللائحة بمفهوم الأديب Prévert. تنازُلُ فرنسا في وجه ممالك الخليج وتجاه معاهداتنا في مجال الأسلحة.

النقاش حق للذين وللواتي يعتبرون الحجاب استعباداً للمرأة. ومسألة البوركيني تمنحهم المناسبة للتعبير عمّا يشعرون به ولإعطاء دروس في التقدمية والفضائل العلمانية متجاهلين في نفس الوقت أن القانون يسمح بلبس الحجاب في الأماكن العامة ويمنع البرقع فقط. إنّ النقاش المتواتر حول بيع الأسلحة والعلاقات مع بلدان غير ديمقراطية حقٌّ كذلك. انما يجب الإعتراف بأننا ابتعدنا جداً عن البوركيني.

أمّا ممالك النفط في الخليج فهدفٌ دائم لكل الجدل الحادّ ومصدر لكل الآفات. النقاش ينحطّ من يوم لآخر تحت وطأة تلك المبالغات الجديدة وذلك الجدل، ولا أحد يكرّس وقتاً ليُمعِنَ في التفكير. إن ما يوحي به ذلك الجدل حول البوركيني عن حالة المجتمع الفرنسي رهيب حقاً. تَصَلُّب وتحريف لقِيَمنا. تَعَصُّب واستيهام تغذيهما مخاوف لا يُستهان بها وتُشعل نارَهما صحافةٌ همُّها البحث عمّا يثير الانفعالات ومشاعر الرأفة أكثر من البحث عن الإعلام.. إذا ما ذكرتم الحقوق تُتَّهمون على الفور بأنكم عملاء إسلاميون مأجورون لجماعة الضغط السعودية. وإذا استنكرتم البوركيني تُتَّهمون بأنكم معادون للإسلام وعنصريون. هاهنا أيضاً «الأشياء تأتي بالأشياء والأمور تجرّ الأمور.»

غياب الرأي الشعبي وصوت المنطق

أين هو الرأي الشعبي؟ أيُّ مرشّح للانتخابات الرئاسية من شأنه أن يُسمع صوت المنطق في جوّ التوتر العارم هذا، ليُنَوّه ببعض المبادئ الجوهرية للتعايش وبقِيَم الجمهورية كما هي مسجَّلة فوق المداخل في مباني بلَدِيَّاتنا، والتّي تؤلّف كلّ ما هو حقٌّ لنا؟

من سيصرخ عالياً بأن الفرنسيين المسلمين لهم مكانتهم كاملة داخل الجمهورية وأنّ حقوقهم مضمونة كحقوق المواطنين الآخرين، وأن نفس القوانين تجري على الطرفين؟ مَن مُزْمِعٌ أن يُذكّر بقانون 1905 الذي يحظّر على الدولة التدخل في إدارة الشعائر الدينية، وان انحرافها المتزايد نحو التدخل في إدارة الشعائر الإسلامية في فرنسا، يُغذّي جوّ فقدان الثقة الحالي هذا بين الطرفين؟ مَن مُزْمِعٌ أن يذَكر بأن نظام وسير عمل الإسلام مطابقان تماماً لقانون 1905، ذكّرنا به زميلنا اندريه ريشار احد كاتبي التحقيقات لدى بعثة الاعلام حول الإسلام في فرنسا والمنشور في 7 تموز “جولييه” الماضي؟

مَن مُزْمِعٌ أن يُذكّر بأن عشرين جامعاً في فرنسا  – واحد بالمئة- تحصل على تمويل من الخارج إنما من مصادر معروفة تماماً، وأن TRACFIN  -دراسة المعلومات والعمل ضد الدوائر المموِّلة السرية- ساهرة على كل معاملات تجري على التراب الوطني سواء فيما يتعلق بالأفراد أو المنظمات؟ ماذا يدعو الى ذلك الاستيهام؟

لماذا جرى ربط بين التمويل من الخارج لأماكن العبادة الإسلامية والإرهاب بعد العمليات الإرهابية الشانئة في نيس والاغتيال النذل للأب هاميل؟ مَن مُزْمِعٌ أيضاً أن يُذَكِّر بأنّ ال CFCM المؤسسة المفيدة لا تملك ميزانية كافية لتقوم بنشاطاتها، وأن مسؤوليات رئيسها جمة؟ لماذا على أرفع مستوى في الدولة يجري استخدام اسلام فرنسا في عمل التصدي للإرهاب، ما يُغذّي اكثر القضايا تطرفاً؟

الاحتفالات: متحدون وراء قيم فرنسا

لا أفهم مشكلة الرغبة المستديمة في تغذية ما يقيم الانقسامات بيننا، دون ما يجمع شملنا. على ذلك أعود إلى بداية حديثي عن الاحتفالات بتحرير فرنسا الذي تمَّ بفضل رجال ونساء كتيبة لوكلير الأبطال والفيلق الأول المغربي SPAMIS مع “صليب الحرب” و “رفيق التحرير” تلك الراية التي يصحبها ذنب حصان والنجمة المغربية وتزدان بحلل بهية تستحقها.افكر بأولئك الجنود المغربيين الذين يؤلفون تلك الكتيبة وكذلك بأولئك الجنود الجزائريين المدفونين في فرنسا بمقابر واسعة في غاتيس GATEYS بالأورن ORNE وفي مدافن أخرى على أرض فرنسا، الذين قُتلوا مُدافعين عن حريتنا ضمن مثالية السلام والعيش المشترك وضد رفض التعددية.

علينا في هذا الزمان أن نجابه الإرهاب. نعم انه أمر بديهي، وهي حرب سننتصر فيها أولاً بفضل المُثُل التي لدينا والتي من واجبنا أن نتحلّى بها وأن نصونها ومن ثمّ نجعلها إرثاً لأجيالنا.

لا يجوز أن ننسى أن المتطرفين من حديثي السن هم أولاد الجمهورية. إنهم شبان وشابات ولدوا في فرنسا. ذلك هو النضال ضد الإرهاب وذلك يحول دون امتداد الإرهاب عندنا ويحول دون ازدياد عدد المتطرفين بخلاف ما يجري اليوم. إن غياب عقيدة مثمرة يدفع بهم الى أحضان -داعش- هذه المنظمة التي يلذ لها، على ما أتصور، أن ترى شقاقاتنا وجدالنا حول البوركيني.

كل نزاع جدلي يخص بصورة مباشرة او غير مباشرة الإسلام والمسلمين يغذي -داعش- كما أن الذين يُجندون لها يجتذبون الافراد تحت هذا الشعار: “انظروا، هذا البلد ليس بلدكم، نساؤكم يُشار اليهن بالبنان ولا احترام لعفتهن، والقانون ليس على الاطلاق لمصلحة المسلمين. لذلك انضموا الينا”.

لقد صدمني عنف شبكات التواصل الاجتماعي وكذلك غياب أصوات ذات منطق تتصدى لذلك الالتباس الخطير. ألا يمكننا في هذا الصيف ذي الاخطار المتنوعة، أن نفكر بالأبطال الذين حررونا من نير النازية والذين كانوا ينتمون الى مختلف الأديان؟ ألا نستطيع مجرّد التفكير بالصورة التي نعكسها عن ذواتنا والصورة التي نعطيها لأولادنا والتي تصل الى الخارج؟

إن التفكير المتوازن لا بدّ منه في فرنسا بلد الحضارة والنور.

رسالة الاعيان

ان رسالة الاعيان في تنظيم وسير عمل الإسلام منحتنا إمكانية تحليل للأوضاع من شأنها أن تُبيّن بوضوح وبدون انحياز، أن الإسلام في فرنسا يتلاءم مع ما هو شرعي ومع قانون 1905. إن هذا العمل الذي يعطي البرهان على ذلك مسبقاً، جدي وتربوي وقد اعتمده سياسيو اليمين واليسار على السواء. لا بد ان يكون هذا العمل مفيداً للجميع كونه يساعد بأفضل صورة على فهم تعقيدات الوضع وعلى العثور على حلول تقنية يتمكن بفضلها مواطنونا المسلمون من إقامة شعائرهم بكرامة.

لكن من هم المهتمون بعمل جوهري طالما الخوف والعمل السطحي يهيمنان ويواكبهما صراع سياسي يبدو منذ بدايته دون المتوسط؟ أنا شخصياً استنكر هذا الجو الذي يكبح المنطق ويغذي الانفعال. أفهم الانفعال والخوف والرأفة وتداعياتها جميعاً، لكنني لا استطيع بسهولة أن اقبل من مسؤولين سياسيين رئيسيين أن ينفخوا على الجمر أو أن يلتزموا الصمت مسببين حالة أخطر…

من المستفيد من هذه التوترات ومن الجدال؟

لِزامٌ أن يُطَبّق قانون الجمهورية وشرائعها في كل مكان وعلى الجميع، وأن يُعاقَب بلا هوادة أصحاب خطاب البغضاء. إنه بفضل دولة قوية وفخورة بقيَمها النابعة من الجمهورية، أي الحرية والمساواة والإخاء والعلمانية، نستطيع ربما تحقيق بعض الصفاء…

إنني متشائمة جداً تجاه ما تُخبئه لنا الأشهر القادمة التي تهيمن عليها المعارك الانتخابية.

نتالي غوليه

PartagerTweet about this on TwitterShare on Google+Share on FacebookEmail this to someone